التاريخ : 2026-04-22
حين يُكسر القيد الدستوري… الأكاديمية الحكومية نموذجًا
بقلم المحامي: إسلام الحرحشي/ مدير مركز إحقاق للدراسات القانونية
ليس الخلل هنا في التفاصيل… بل في الفكرة ذاتها.
فحين يُنشأ كيانٌ يُراد له أن يعيد تشكيل عقل الإدارة العامة، لكن عبر أداة دستورية لا تحتمل هذا الوزن، فنحن لا نكون أمام إصلاح… بل أمام التفاف ناعم على الدستور.
النظام المنشئ للأكاديمية الأردنية للإدارة الحكومية صدر تحت مظلة المادة 120 من الدستور الأردني.
وهذه المادة لا تترك مساحة رمادية: هي مخصصة لتنظيم أجهزة إدارية مركزية، تابعة، خاضعة، بلا استقلال.
لكن ما جرى هو العكس تمامًا.
كيان مُنح:
- استقلالًا ماليًا وإداريًا
- دورًا وطنيًا عابرًا للمؤسسات
- صلاحيات تمتد إلى تشكيل الكفاءة الحكومية
أي أننا أمام مؤسسة بحجم قانون… صادرة بأداة نظام.
قرار التفسير رقم 1 لسنة 2015 الصادر عن المحكمة الدستورية الأردنية حسم المسألة بلا لبس:
لا استقلال مالي ولا إداري للأجهزة المنشأة بموجب المادة 120.
ومع ذلك، تم منح الاستقلال المالي والاداري.
أي أن النظام لم يوسّع النص… بل تجاوزه.
لكن الخلل لا يتوقف عند حدود "الاستقلال”…
بل يمتد إلى السؤال الأخطر: من يسيطر على هذا الكيان؟
هنا تظهر مادة تعيين رئيس الأكاديمية، التي تمنحه:
- رتبة وزير
- ويُعيَّن بقرار من مجلس الوزراء بناءً على تنسيب رئيس الوزراء
دون:
- إعلان تنافسي
- معايير اختيار معلنة
- إجراءات شفافة
- أو رقابة مؤسسية حقيقية على عملية التعيين
وهنا تنكشف المفارقة القاسية:
نحن أمام مؤسسة يُفترض أنها تقود "بناء الكفاءة والحوكمة”… لكنها تُدار بأداة تعيين لا تخضع لأبسط معايير الحوكمة.
كيف يمكن لكيان يدرّس الإدارة الرشيدة أن يُنشأ ويُدار خارجها؟
كيف يمكن الحديث عن:
- النزاهة
- الشفافية
- الجدارة
بينما أعلى موقع فيه يُحسم بقرار مغلق، بلا منافسة، بلا مساءلة، بلا معايير منشورة؟
هذا ليس تفصيلًا إداريًا… بل مؤشر على طبيعة المشروع كله:
- كيان مُنشأ خارج الإطار الدستوري الدقيق
- ومُدار بأدوات تفتقر إلى الحوكمة
- ومُنح صلاحيات واسعة للتأثير في الجهاز الحكومي
أي أننا لا نبني "أكاديمية”…
بل نبني مركز نفوذ إداري مغلق.
وهنا تتكامل الصورة:
- مخالفة في الأساس الدستوري (المادة 120)
- توسّع غير مبرر في الاستقلال
- وأداة تعيين تُفرغ مفاهيم الحوكمة من معناها
النتيجة بالتأكيد ليست إصلاحًا… بل إعادة تشكيل الإدارة العامة بأدوات غير شفافة.
إن الخلاصة التي لا تحتمل التخفيف هي:
- لا يمكن أن تُبنى الحوكمة بقرار غير خاضع للحوكمة،
- ولا أن تُدار الشفافية بأدوات مغلقة،
- ولا أن تُنشأ مؤسسة وطنية بهذا الوزن خارج المسار الدستوري الطبيعي.
ما جرى ليس تطويرًا إداريًا…
بل تركيب نموذج هجين: سلطة واسعة، وضبط ضعيف، وشرعية مهتزّة.